فخر الدين الرازي

9

المطالب العالية من العلم الإلهي

المقدمة في بيان تفاصيل مذاهب الناس في هذا الباب أعلم : أنا نعلم بالضرورة : أن القادر على الفعل إذا دعاه الداعي إليه ، ولم يمنعه منه مانع . فإنه يحصل ذلك الفعل . وهذا القدر معلوم . ثم اختلف العقلاء بعد ذلك على أقوال : القول الأول : إن المؤثر في حصول هذا الفعل ، هو قدرة اللّه تعالى ، وليس لقدرة العبد في وجوده أثر . وهذا قول « أبي الحسن الأشعري « 1 » وأكثر

--> ( 1 ) رأى الأشعري المتوفى سنة 324 : أن العبد منفذ لما كتبه اللّه عليه من قبل أن يولد من بطن أمه . ودليله على ذلك الحديث الذي رواه في كتاب الإبانة من أن الملك يكتب العمر والرزق والشقاوة أو السعادة للمرء من قبل ولادته . ثم إن الأشعري موه على رأيه هذا لئلا يتهمه الناس بالجبر ، بقوله بنظرية الكسب . ومعناها : أن قدرة اللّه ( القديمة ) تقترن بقدرة العبد ( الحادثة ) حال حصول الفعل . وللإنسان كسب ، لأنه وضع يده على الفعل . والحق : أن الكسب لا حقيقة له . لأنه إذا اقترنت قدرة اللّه مع قدرة الانسان ، فقدرة اللّه هي التي ستغلب . وإذا ظهر أن العبد لا قدرة له ، ظهر أن مذهب الأشعري هو مذهب الجبرية . وفي ذلك يقول الشاعر مما يقال ولا حقيقة عنده * معقولة تدنو إلى الأفهام : الكسب ، عند الأشعري ، والحال * عند البيهشي ، وطفرة ، النظام يقول الأشعري - نقلا عن الشهرستاني - : « إن اللّه تعالى أجرى سنته بأن يخلق عقيب القدرة الحادثة أو تحتها أو معها : الفعل الحاصل ، إذا أراده العبد وتجرد له ، وسمى هذا الفعل كسبا فيكون خلقا من اللّه تعالى إبداعا وإحداثا وكسبا من العبد مجعولا تحت قدرته » .